|

الصفحة الرئيسة
من
نحن
خدماتنا
مقالات
دراسات
اتصل بنا
|

نقابة المحامين
فرع دمشق
الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية
والـتــــــجـــــارة

بحث علمي قانوني
لنيل لقب أستاذ في المحاماة
مقدم من
المحامي سميح الزعيم
إشراف المحامي
الأستاذ محمود الجيوش
المحامي المدرِّب
الأستاذ عمر المبيض
-------------------------------------------------------------------------------
تعتبر الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة ( الغات
) والتي تحولت إلى منظمة التجارة العالمية W.T.O من أهم
أحداث القرن الماضي بالإضافة لأنها ستكون من أهم أحداث القرن
الحالي لما ستحدثه من آثار اقتصادية وقانونية وإجرائية_
داخلياً و دولياً _ سواء بالنسبة للدولة التي انضمت إليها أو
لم تنضم بحيث تشكل هذه الاتفاقية نظاماً عالمياً يتولى إدارة
العلاقات الاقتصادية بين دول ويتمثل هذا النظام في سلسلة من
المبادئ والمعايير التي تشكل أساس التوافق الدولي فيما يتعلق
بدور الحكومات في إدارة التجارة الدولية.
فأمام أهمية التجارة الدولية أصبح من الضروري أن يكون هنالك
نظام عالمي يحكم هذه العلاقات المختلفة وقد أرست الدولة
الكبرى نظاماً يحكم هذه العلاقات الاقتصادية بين دول العالم
وذلك للعودة إلى الوضع الذي كان قائم قبل الحرب العالمية
الأولى اقتناعاً منها بأن حرية التجارة تلعب دوراً مهماً في
نمو ورخاء الاقتصاد العالمي.
وبدأ هذا النظام في صورة اتفاقات بين الدول ثم تحول بعد ذلك
إلى منظمة التجارة العالمية تضطلع بالعديد من المهام ولتكمل
بذلك منظومة إدارة الاقتصاد العالمي حيث أصبحت منظمة التجارة
العالمية تشكل الضلع الثالث في مثلث قيادة الاقتصاد العالمي
بجانب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير.
لقد مرت الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة
بالعديد من الجولات حتى وصلت إلى وضعها الحالي.
ومما لاشك فيه بأن جولة أورغواي للمفاوضات التجارية والتي
بدأت في إطار الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة
في عام 1986 ثمرة الجهود الكبيرة متعددة الأطراف التي بذلتها
123 دولة لتحرير التجارة العالمية وللتصدي لسلسة من المشاكل
التي تواجه النظام التجاري ليس فقط بسبب الالتزامات الكثيرة
التي تمخضت عنها الجولة ولكن أيضاً نتجه أن الاتفاقات التي
انتهت إليها الجولة أدت إلى تعزيز وتوسيع نطاق تطبيق القواعد
والمبادئ متعددة الأطراف التي سوف تحكم وتحمي هذه الالتزامات
ولقد أدت هذه التطورات إلى تغيير النظام التجاري متعددة
الأطراف بصورة ملموسة.
وإزاء هذه التطورات أصبحت الاتفاقية العامة للتعريفات
الجمركية والتجارة محل أنظار جميع دول العالم وأصبحت خيار
واقع لا مفر منه حيث أن هذه التطورات التي طرأت على الاقتصاد
العالمي تفرض نفسها على العالم وخاصة الدول العربية ولا يمكن
تجاهلها بل يجب معالجتها والتعايش معها بموضوعية ويقظة.
والاتفاقية تشكل تحدي كبير لنا نحن العرب فهي تفرض علينا
الارتقاء في أدائنا ووسائلنا وإنجازنا إلى المستوى الدولي
لتحقيق القدرات التنافسية المطلوبة.
الفصل الأول
المبحث الأول
اتفاقية الغات والمبادئ الرئيسية التي تقوم عليه
GENERAL AGREEMENT ON TARIFFS AND TRADE (GATT)
تستند الغات إلى أهمية تحرير التجارة العالمية وتشجيع
التجارة الدولية متعددة الأطراف بدلاً من التجارة الثنائية
وتعتمد هذه الفلسفة على ما يسمى
"الميزة النسبية".
حيث تمتع كل دولة بمقومات اقتصادية مختلفة عن غيرها وهذه
المقومات تسمح لها بإنتاج السلع والخدمات بأسعار وجودة تفوق
غيرها لذا فهي تجد مجالها في الأسواق الدولية بميزات تفوق
مثيلتها من الدول الأخرى وتعمل الغات على إتاحة الحرية
والمنافسة للسلع التي تنساب دون عوائق و لا شك أن ذلك يؤدي
إلى النمو والرخاء الاقتصادي للدول المصدرة والمستوردة وكذلك
لبقية دول العالم حيث ستؤدي هذه الحرية في النهاية إلى
الاستخدام الأمثل للموارد العالمية. وذلك حسب المؤيدون
لتشكيل تلك المؤسسة الدولية حيث أنهم يرون أيضاً بأن هذه
الاتفاقية تساهم وتسرع في عملية تدويل الاقتصاد وأنها تهدف
إلى إطلاق الطاقات الإنتاجية في مختلف دول العالم وذلك عن
طريق الإزالة التدريجية للحواجز والعوائق التي تضعها الدول
أمام الاستيراد.
وكذلك يرون بأن هذه الاتفاقية تمكن العضو من النفاذ إلى
الأسواق لباقي الدول الأعضاء للاتفاقية فهي تحرر وتوسع
التجارة العالمية.
ويرن أيضاً إلى أن الاتفاقية تؤدي إلى وضع ضوابط وأسس جديدة
للنظام الاقتصادي العالمي هذا النظام الذي أخذ طابعاً أكثر
شمولية (العولمة) والاتجاه المتزايد نحوها فالناتج العالمي
قد تضاعف خلال النصف الثاني من هذا القرن([1]).
أما الفريق المعارض فإنه يرى بأن الاتفاقية لا تحقق العدالة
و المساواة في المكاسب بين الدول الغنية والدول الآخذة في
النمو حيث أن الدول النامية لم يكن لها أي دور فاعل ولم تؤخذ
رغباتها ومصالحها بعين الاعتبار.
وكذلك يرون بأن الاتفاقية تتمحور حول المصالح الاقتصادية
للدول الكبرى وتعكس توازن القوى والمصالح بين هذه الدول
وتراعي الصراعات القائمة بين التكتلات الاقتصادية الكبرى
التي تتمثل في السوق الأوربية المشتركة واليابان والولايات
المتحدة الأمريكية.
وكذلك فإنهم يردون على أن الاتفاقية تساهم وتسرع في عملية
تدويل الاقتصاد العالمي بأن ورائها الشركات متعددة الجنسيات
التي تقودها من وراء الستار لجعل العالم سوقاً دولياً واحداً
على صعيد الإنتاج والتسويق([2]).
وبالرغم مما ذكرنا من حجج المؤيدين والمعارضين لهذا النظام
العالمي إلا أننا نرى بأن ذلك أصبح قدراً لا مفر منه وذلك
لما سيكون هنالك من آثار ونتائج سلبية سوف تصيب الدول غير
الموقعة على هذا الاتفاق وغير المنضمة إلى منظمة التجارة
العالمية ويمكن إيراد هذه النتائج فيما يلي:
أولاً : توقع ممارسة ضغوط اقتصادية من قبل القوى الاقتصادية
الكبرى الموقعة على الاتفاقية على الدول المتحفظة أو
المترددة حاله.
ثانياً : انعزال الدول غير الموقعة عن الجزء الأكبر والأهم
من العالم أي الانعزال عن نظام اقتصادي دولي جديد في مرحلة
التشكيل.
ثالثاً : تعثر علاقة الدول غير الموقعة مع المؤسسات المالية
والاقتصادية التي تلعب دوراً هاماً مع الاقتصاد العالمي
حالياً مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها.
رابعاً: تدني القدرة التنافسية لصادرات هذه الدول إلى أسواق
الغات بسب بقاء الحواجز الجمركية وغير الجمركية أمام صادرات
الدول غير الموقعة مع احتمال زيادتها مستقبلاً كنوع من الضغط
على الدول غير الموقعة بينما من المقرر تخفيف هذه الحواجز
وتلغى أحياناً بالنسبة لصادرات دول الاتفاقية فيما بينها على
مدى لا يتجاوز السنوات السبع القادمة.
خامساً: ارتفاع أسعار التكنولوجية المستوردة للدول غير
الموقعة بسبب ما نص علية اتفاق مراكش من قواعد خاصة لحماية
حقوق الاختراع والنشر وعلامات المنشأ والعلامات التجارية وما
شابه ذلك.
ولهذه الأسباب وكما ذكرنا فإن هذا النظام أصبح واقع محتوم لا
مفر منه ولطالما هو كذلك فما هي المبادئ التي تقوم عليها
الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة.
المبدأ الأول :
تحرير التجارة الدولية من جميع القيود التعريفية أي الرسوم
الجمركية وغير التعريفية التي تشمل عدد من مقومات التجارة
الدولية ومن أهمها القيود الكمية مثل حصص الاستيراد وأذون
الاستيراد واشتراط إيداع نسبة من قيمة الواردات ودعم
الصادرات وغير ذلك.
ويعتبر تحرير التجارة هو الهدف الأساسي من الاتفاقية العامة
للتعريفات والتجارة G A.T.T وتلتزم الدول الموقعة على هذه
الاتفاقية بالعمل على إزالة القيود التعريفية وغير التعريفية
أو على الأقل تخفيضها غير ذلك لا يتم في كل بلد بمعزل عن
البلاد الأخرى ولكن في إطار مفاوضات متعددة الأطراف تضم كل
دول الأعضاء.
المبدأ الثاني :
عدم التميز بين الدول المختلفة في المعاملات التجارية وهذا
هو المبدأ المعروف بشرط أولى الدول بالمراعاة.
يعني هذا المبدأ أن أية ميزة تجارية يمنحها بلد لبلد آخر
لابد أن تنسحب تلقائياً إلى كل البلاد الأخرى دون مطالبة
بذلك فإذا منح أحد البلاد الأعضاء في الغات تخفيضاً أو إعفاء
من ضريبة جمركية على سلعة مستوردة من بلد معين فإن هذا
التخفيض أو الإعفاء يسري على نفس السلعة المستوردة من كل
الدول الأخرى بذلك تتساوى كل الدول الأعضاء في ظروف المنافسة
في الأسواق الدولية وبعبارة أخرى فإن شرط أولى الدول
بالمراعاة يعني المساواة في المعاملة بين كل الدول المتجرة
ولا يعني كما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى منح رعاية خاصة
لإحدى الدول على حساب الدول الأخرى.
المبدأ الثالث:
مبدأ الشفافية ويقصد به الاعتماد على التعريفة الجمركية وليس
على القيود الكمية (التي تفتقر إلى الشفافية) إذا اقتضت
الضرورة تقييد التجارة الدولية وبذلك ينبغي على الدول التي
يتحتم عليها حماية الصناعة الوطنية أو علاج العجز في ميزان
المدفوعات أن تلجأ لسياسة الأسعار كالتعريفة الجمركية مع
الابتعاد عن القيود الكمية مثل حصص الاستيراد ويرجع ذلك إلى
أنه في ظل قيود الأسعار يمكن بسهولة تحديد حجم الحماية أو
الدعم الممنوح للمنتج المحلي([3]).
ولكن هناك استثناءات من هذا المبدأ هي:
1) حالة الدولة التي تواجه عجزاً حاداً في ميزان المدفوعات.
2) السماح في حالات خاصة باستخدام حصص الواردات للسلع
الزراعية.
3) حالة الزيادة الطارئة من سلعة معينة مما يهدد الإنتاج
المحلي بخطر جسيم وعلى الأخص الصناعات الوليدة.
ويعرف هذا الشرط بالشرط الوقائي والذي يجيز للدول الأعضاء
تقييد المنافسة الأجنبية إذا زادت الواردات زيادة ضخمة
مفاجئة تنطوي على ضرر جسيم أو تهديد بضرر جسيم للصناعة
الوطنية ويعد هذا الشرط إحدى الثغرات التي قد يساء استغلالها
من قبل الدول المتقدمة لتحقيق مصالحها قبل بعضها البعض أو مع
الدول النامية.
فقد عرفها الدكتور محمد توفيق سماق بأنها اتفاقية متعددة
الأطراف تهدف إلى تحرير التجارة العالمية من كافة القيود
المعوقة لحركتها وتحقق هدفها عن طريق التفاوض والحوار بين
دول العالم.
أما من الناحية اللغوية فهي G . A. T.T
General Agreement on tariffs and Trade
ويعرفها البعض الأخر بأنها المحفل الدولي المعني بشؤون
المفاوضات التجارية متعددة الأطراف بالإضافة لأنها مجموعة
القواعد الدولية التي تحكم النظام الدولي كما أنها محكمة
تسوية النزاعات التجارية بين الأطراف المتعاقدة فيها([4]).
المبحث الثاني
نشأة النظام التجاري الدولي الجديد وتطوره ([5])
منذ العصور الوسطى حتى القرن السادس عشر لم يكن للدول أن
تتدخل في التجارة الدولية أو تفرض قيوداً عليها نسبة لدور
الدولة الحارسة آنذاك باعتبار أن النشاط التجاري من خصوصيات
الأفراد ووظيفة الدولة مكرسة في تحقيق الأمن والعدالة
وحمايتها من العدوان.
وظلت التجارة الدولية من غير قيود حتى ظهرت نظريات التجاريين
والتي تمثل أساس الفكر التجاري الذي أدى إلى إخضاع التجارة
الخارجية للعديد من القيود الحمائية حيث يرى أنصار هذا الفكر
أن ثروة الأمم تقاس بما لدى الدول من معادن ثمينة كالذهب
والفضة دون النظر إلى مواردها وثرواتها الطبيعية الأخرى
وظهرت بعد ذلك نظريات الطبعيين في القرن الثامن عشر التي
جاءت عكس نظريات التجاريين حيث قامت على رفض تدخل الدولة في
التجارة الخارجية انطلاقاً من ضرورة ترك التجارة حره غير
خاضعة لأية قيود.
وتمثل التعاون التجاري بين الدول آنذاك من خلال الاتفاقات
الثنائية التي تتناول العلاقات التجارية فيما بينها ونجد أنه
خلال الفترة الممتدة من عام 1919 وحتى عام 1947 حصل تطور
كبير في مجال التعاون التجاري الدولي حيث انتقلت الاتفاقات
الثنائية في التجارة الخارجية إلى اتفاقيات متعددة الأطراف
وظهر ذلك من خلال التعاون التجاري الإقليمي والتعاون التجاري
متعدد الأطراف.
ولكن في ذلك الوقت لم تكن الهيئات والاتحادات التي تم
إنشاؤها في ميادين خاصة مثل اتحاد التلغراف الدولي وغيره
تستطيع الادعاء بإقامة نظام تجاري دولي كما أنها لم تستطيع
التدخل في كيفية تنظيمها للتبادل التجاري مع بقية الدول
لأنها تعتبر من قبيل الشؤون الداخلية للدول حسب منظور الفكر
التقليدي للدول وعلى النقيض من ذلك خلال الفترة السابقة
للحرب العالمية الثانية أصبح التدخل في شؤون الدولة التجارية
يظهر في صور كثيرة ومتعددة بسبب البحث عن مهرب من الركود
وفرض الدول قيود وعقبات أمام حركة التجارة العالمية وكان
لأساليب الحماية أثر كبير على جميع الدول دون استثناء سواء
بالنسبة للدول التي تفرض الحماية أو الدول الأخرى لأنها تعوق
التبادل التجاري.
إزاء ويلات الحرب العالمية الثانية وما ألحقته باقتصاديات
معظم دول العالم من خسائر عمدت هذه الدول إلى أن تخطو الخطوة
الأولى في سبيل تخفيض القيود الجمركية المفروضة على تجارتها
الخارجية وإزالتها وبانتهاء الحرب عام 1945 وبانتهاء فكرة
إعادة تنظيم اقتصاديات الدول التي دمرتها الحرب بدأت العديد
من الدول في إعادة الحرية النسبية إلى حركة التجارة الدولية
وأصبح الجو مهيئاً لبذل مجهودات في هذا الإطار والقيام
بمحاولات على نطاق دولي لتنظيم التبادل التجاري في جو من
الثقة المتبادلة ولوضع مجموعة من القواعد المتناسقة الكفيلة
بتوحيد المفاهيم في مجال سياسة التجارة الخارجية بحيث يؤدي
لتحرير وتنمية حركة التجارة الدولية واقترحت تلك الدول عقد
مؤتمر دولي للتجارة في هافانا سنة 1948 بعد أن سبقته سلسلة
من الاجتماعات للإعداد له.
ولا شك أن الولايات المتحدة قد لعبت دوراً كبيراً بعد أن
شعرت أنها تواجه تدهوراً في قوتها الاقتصادية النسبية
وتحدياً في دول صاعدة الأمر الذي دفعها للبحث عن أدوات
ووسائل قوة للمحافظة على وضعها المهيمن واسترداد زمام
المبادرة في المجال الاقتصادي وبخاصة في الصناعات المتقدمة
تكنولوجياً وقد اختارت الولايات المتحدة بعض أدوات الضغط
الاقتصادي التي تهيمن عليها وهي الصندوق والبنك الدوليين
واتفاقية الغات حيث تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك
الدولي للإنشاء والتعمير في السنة الأخيرة للحرب العالمية
الثانية بمبادرة من الولايات المتحدة الأمريكية التي أيقنت
أنها ترث عالماً متباعداً الأطراف من دول استعمارية أنهكتها
الحرب ودمرتها بينما تملك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً وتم
توقيع اتفاقية بريتون وودز عام 1944 والتي نتج عنها إنشاء
(الصندوق والبنك) الدوليين والاتفاق على اعتبار الدولار عملة
العالم مقابل تعهد الولايات المتحدة بتحويلة إلى ذهب عند
الطلب.
ويرجع إنشاء اتفاقية الغات إلى الدورة الأولى للمجلس
الاقتصادي والاجتماعي التي انعقدت في شباط عام 1946 حيث تقرر
بالإجماع عقد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والعمالة بهدف وضع
مشروع ميثاق منظمة تجارية دولية.
وأنشئت لجنة تحضير لهذا الغرض كان من ابرز أعمالها وضع
الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (G ATT) في
عام 1947 تم التوقيع على اتفاقية الغات وكان بناء هذه
المؤسسة يستهدف أساساً العمل على تنمية الاقتصاد العالمي من
خلال تجنب الإفراط في الإجراءات الحمائية الجمركية التي كانت
قد انتشرت نتيجة الركود الاقتصادي كما تهدف إلى الإبقاء على
شبكة إمبريالية موحدة بطريقة أو بأخرى تستهدف توسيع نطاق
التجارة الحرة وإبقاء السيطرة على المستعمرات السابقة ومنح
الشعوب التي ترغب في الانعتاق من رقبة هذه الشبكة بالحرب أو
الوسائل الأخرى .
وتعتبر الاتفاقية العالمية للتعريفات الجمركية والتجارة
الأساس لما يمكن تسميته بالنظام المتعددة الأطراف للعلاقات
التجارية ويعتبر نظام العلاقات التجارية الدولية سلسلة من
المبادئ والمعايير التي تشكل أساس التوافق الدولي فيما يتعلق
بدور الحكومات في إدارة التجارة الدولية هذا بالإضافة إلى
اشتماله على مجموعة من الحقوق والالتزامات التعاقدية التي
تحكم تنظيم وتنفيذ السياسات التجارية.
وكانت اتفاقية الغات بمثابة محفل تبحث فيه الدول الأعضاء
المشكلات التجارية المعلقة بينها ولذا صممت الغات أساساً
لأغراض نظام اقتصادي موجه نحو السوق يكون بموجبه الاختلاف
بين الأسعار الدولية والأسعار المحلية هو المحدد الرئيسي
لتدفق التجارة الدولية وكان على التعريفة أن تصبح الوسيلة
المقبولة لتنظيم المنافسة في مجال الواردات وتم تحريم القيود
الكمية من ناحية المبدأ ولكن يمكن تطبيقها في إطار محدود
جداً وفي ظروف تم تعريفها بعناية وضمنت المعاملة الوطنية كما
عرفت في المادة الثالثة في اتفاقية الغات "عدم إخضاع السلع
بمجرد عبورها الحدود لتدابير ذات طابع تمييزي في مواجهة
السلع المنتجة محلياً".
خلال العقود الأولى التي أعقبت إنشاء الغات كللت الجهود
المبذولة لتحرير التجارة الدولية بالنجاح ويرجع ذلك جزئياً
إلى قلة عدد المتنافسين على الأسواق الدولية واقتناع الدول
المتاجرة الرئيسية بضرورة تحرير القيود الكمية ونجاح الدول
في ذلك الوقت في جعل ميثاق هافانا يحتوي على نص يعالج
التعمير والتنمية معاً وهو الفصل الذي انعكس في المادة
الثامنة عشر في اتفاقية الغات.
وقد مرت اتفاقية الغات بالعديد من الجولات حتى أوصلت إلى
وضعها الحالي.
مضمون الجولات السبع الأولى
لقد مرت الاتفاقية العامة بالتعريفات الجمركية والتجارة بسبع
جولات قبل وصولها إلى جولة الأرغواي وتتمثل هذه الجولات فيما
يلي:
أولاً: جولة جنيف عام 1947 كانت تلك أول محاولة لوضع لائحة
لتنظيم التجارة وخفض التعريفة الجمركية على خمس حجم التجارة
العالمية.
وقعت عليها 23 دولة وسميت حين ذاك بالاتفاقية العامة في قصر
الأمم بجنيف وتمت بعد جولة محادثات تجارية دولية غير مسبوقة.
في بداية عام 1948 دخلت الاتفاقية مرحلة التنفيذ حيث تم
تشكيل أمانة عامة مؤقتة للإشراف عليها كما تقرر إنشاء هيكل
جديد لها تحت اسم منظمة التجارة الدولية في وقت لاحق.
ويجدر بنا الإشارة أن لبنان وسوريا كانتا من الدول الثلاثة
والعشرين المؤسسين لاتفاقية الغات إلا أن انضمام الكيان
الصهيوني عام 1951 إلى الاتفاقية أدى لانسحاب القطر العربي
السوري احتجاجاً([6]).
في 24 آذار عام 1948 اتفقت 53 دولة في العاصمة الكوبية
هافانا على تشكيل منظمة التجارة الدولية وإكسابها سلطات
مشابهة لتلك التي يتمتع بها صندوق النقد الدولي والبنك
الدولي إلا أن الكونغرس الأمريكي أحجم عن إقرارها لدخول
الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات الجمركية المؤقتة طوراً
جديداً حيث غدت آنذاك منظمة ذات صفة دائمة.
ثانياً: جولة نيس عام 1949 حيث انعقدت تحت إشراف اتفاقية
الغات في مدينة نيس الفرنسية واتفقت هناك 13 دولة من الدول
الأعضاء في الاتفاقية (أطلق عليها اسم الأطراف المتعاقدة)
على تخفيض التعريفة الجمركية على 500 سلعة.
ثالثاً: جولة توركواي عام 1950 وعقدت في إنجلترا حيث تبادلت
38 دولة عضواً في الغات تخفيضات جمركية على 8700 سلعة مؤداها
تخفيض قرابة 25% من قيم التعريفات المتفق عليها عام 1948
واستمرت تلك الجولة طوال الفترة الواقعة بين أيلول 1950
ونيسان 1951.
رابعاً: جولة جنيف عام 1956 والتي تمخضت عن خفض التعريفات
الجمركية بلغت قيمتها 2.5 مليار دولار واختتمت في أيار في
ذلك العام.
خامساً: جولة ديلون عام 1960 والتي سميت على اسم وكيل وزارة
الخارجية الأمريكية دوغلاس ديلون الذي اقترح إقامتها وضمت 26
دولة اجتمع ممثلوها في جنيف وتركزت مفاوضاتهم على تنسيق
اتفاقات التعريفة مع دول المجموعة الاقتصادية الأوروبية
وانتهت هذه الجولة في تموز عام 1962 وبإقرار 4400 امتياز
تعريفي يغطي تعاملات تجارية بقيمة 4.9 مليارات دولار كما
أقرت هذه الاتفاقية مبدأ التعويضات للدول التي خيرت تجارياً
من إنشاء المجموعة الأوروبية.
سادساً: جولة كنيدي عام 1964 والتي سميت باسم الرئيس
الأمريكي جون كنيدي الذي اغتيل في تلك الفترة وعقدت في جنيف
أيضاً وقد أسفرت عن تخفيض عالمي للتعريفة الجمركية بنسبة
تقترب من 30% على المنتجات الصناعية وتحدد جدول زمني لهذا
التخفيض يبدأ في عام 1968 حتى عام 1972 كما صيغت عدة إجراءات
لمكافحة سياسة الإغراق وتم التوصل أيضاً إلى مجموعة اتفاقيات
دولية لتنظيم أسواق الحقول الزراعية وقد وقعت 62 دولة مشاركة
فيها تطلع بنحو 75% من التجارة العالمية على الفصل الأخير في
هذه الجولة في حزيران في عام 1967 وقدرت قيمة التعريفات التي
تم الاتفاق على امتيازاتها آنذاك بأربعين مليار دولار.
وقد كانت هذه الجولات الست فعالة لحد كبير في مجال تخفيض
التعريفات الجمركية ولكنها كانت ذات أثر محدود في المجالات
الأخرى([7]).
سابعاً: جولة طوكيو عام 1973 والتي عقدت على مستوى الوزراء
في العاصمة اليابانية ومن ثم انتقلت إلى مقر الاتفاقية في
جنيف وشاركت فيها 102 دولة تفاوضت حول اتفاقيات تتعلق بضرورة
إزالة الحواجز غير الجمركية التي تعوق التجارة واستبدالها
بحواجز صناعية هدفها الحماية التجارية بأساليب غير التعريفة
الجمركية مثل تحديد المواصفات الفنية للسلعة أو اشتراط مستوى
معين من الأمان الطبي أو الصحي ووضع قيود في مجال منح تصاريح
الاستيراد والتصدير وتقديم الدعم السعري للمنتجات الوطنية
وخاصة الزراعية.
ونجحت جولة طوكيو في تخفيض التعريفات الجمركية المباشرة
للمنتجات الصناعية التي تحمل شهادات منشأ من 9 دول صناعية
كبرى فقد شاركت 99 دولة في جولة طوكيو وفي نوفمبر عام 1979
تم التوصل إلى اتفاقات تتناول وضع إطار قانون لسلوك التجارة
الدولية ويتضمن الاعتراف بالمعاملات الجمركية وغير الجمركية
لمصلحة الدول النامية وفيما بينها. وتتمثل المعاملات غير
الجمركية في الدعم والرسوم الجمركية المضادة والحواجز
التكنولوجية أمام التجارة وإجراءات منح الرخص كما تم الاتفاق
على تحرير التجارة في الطيران المدني واحتوت الاتفاقات على
شروط تفضيلية للدول النامية([8]).
ووافق المجتمعون على خفض التعريفات الجمركية على آلاف السلع
الصناعية والمنتجات الزراعية وبلغت جملة الخفض 300 مليار
دولار أمريكي من حجم التجارة الدولية على مدار سبع سنوات في
الفترة بين سنة 1980 – 1987 حيث تم الاتفاق على خفض الرسوم
الجمركية بما يعادل 30% من متوسط التعريفات في بدء الدورة.
جدول المساعي والجولات التفاوضية
التي عقدت بهدف تحرير التجارة الدولية([9])
الجولة وتاريخها
الدول المشاركة
الموضوعات التي تشملها الجولة
جولة جنيف 1947
23
الرسوم الجمركية
جولة نيس بفرنسا 1949
13
الرسوم الجمركية
جولة تركواي ببريطانيا 1950 – 1951
38
الرسوم الجمركية
جولة جنيف 1956
26
الرسوم الجمركية
جولة ديلون 1960 – 1961
26
الرسوم الجمركية
جولة كنيدي 1964 – 1967
62
الرسوم الجمركية والتدابير ضد الإغراق
جولة طوكيو 1973 – 1979
102
الرسوم الجمركية والتدابير غير الجمركية والإغراقات
والتدابير ضد الإغراق وإجراءات رخص الاستيراد والتثمين
الجمركي.
جولة الأرغواي 1986 – 1993
123
الرسوم الجمركية. والتدابير غير الجمركية. الخدمات. حقوق
الملكية الفكرية. النسيج والملابس. الزراعة. استحدثت منظمة
التجارة العالمية.
مجالات اتفاقية منظمة التجارة العالمية
اتفاقيات متعددة الأطراف
اتفاقيات تجارية أخرى
اتفاقات جماعية
1) الغات 1994 (سلع)
1) الإغراق
1) تجارة الطائرات المدنية الحديثة
2) الزراعة
2) الإعلانات والإجراءات المضادة
2) المشتريات الحكومية
3) المنسوجات والملابس
3) إجراءات وقائية
3) مشتقات اللبان
4) خدمات
4) التدابير الصحية
4) لحوم البقر
5) حقوق الملكية
5) العوائق الفنية أمام التجارة
5) تقنية المعلومات
6) تسوية منازعات
6) تراخيص الاستيراد
6) خدمات الاتصالات الأساسية
7) مراجعة السياسات التجارية
7) التثمين الجمركي
8) الفحص قبل الشحن
9) قواعد المنشأ
10) الاستثمار
منظمة التجارة العالمية
World Trade Organization (W.T.O)
تعتبر منظمة التجارة العالمية ثمرة مفاوضات استمرت قرابة
خمسة وأربعون عاماً في إطار الاتفاقية العامة للتعريفات
الجمركية والتجارة.
المبحث الأول
نشأة منظمة التجارة العالمية وأهدافها
إن الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الغات) في
صورتها الأصلية وفي هيكلها وأوضاعها قبل دورة أورغواي لم تكن
تزيد على أن تكون اتفاقية دولية لتحرير التجارة مع تزويدها
بسكرتارية صغيرة للإشراف على الالتزامات المترتبة على تلك
الاتفاقية.
وتجدر الإشارة إلى أن تأسيس منظمة التجارة العالمية لم يكن
سهلاً حيث كانت الوثيقة الأصلية للاتفاقية الموقعة في تشرين
الأول عام 1947 خلال مؤتمر هافانا قد أشارت إلى إقامة هذه
المنظمة ولكن الفكرة أسقطت بعد ذلك في عام 1954 نظراً لرفض
الكونغرنس الأمريكي هذا المشروع انطلاقاً من رغبة في الحفاظ
على السيادة الوطنية للولايات المتحدة حيث يخوف الكونجرس من
أن تؤدي الموافقة على إنشاء المنظمة إلى التخلي عن القوانين
المحلية التي تسمح بفرض عقوبات تجارية على شركائها التجاريين
ولذا قامت الولايات المتحدة الأمريكية بقصر إيداع صك قبولها
لميثاق هافانا على الجزء الخاص بالسياسة التجارية والذي نشأت
بموجبه الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الغات).
وأمام تطور العلاقات الاقتصادية الدولية ظهرت الحاجة مرة
أخرى إلى ضرورة إنشاء منظمة التجارة العالمية لتحل محل أمانة
الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة ويمكن إجمال
أهم الأسباب التي دعت إلى ذلك فيما يلي:
السبب الأول: رغم أهمية الدور الذي قامت به مؤسسات بريتون
وودز (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير)
منذ نشأتها في توفير الاستقرار النسبي للنظام النقدي الدولي
سواء بتحويل جمهور النخبة ومعالجة الاختلالات المالية
الخارجية للدول النامية إلا أن دور هذه المؤسسات في معالجة
العديد من المشكلات الاقتصادية العالمية ورغم ما أدخل عليها
من تطوير كبير خلال العقود الماضية ظل يعتمد بدرجة رئيسية
على سياسات مالية ونقدية ظهرت الحاجة مرة أخرى إلى إنشاء
منظمة للتجارة العالمية تساهم في سد أوجه النقص القائمة في
مؤسسات النظام الاقتصادي الدولي بما يكفل النظرة المتكاملة
للمسائل المتشابكة الخاصة بالنقد والتحويل والتجارة
والتنمية.
السبب الثاني: هو أن الغات لم تكن منظمة دولية بالمعنى
المتعارف عليه لهذا الاصطلاح حيث إنها كانت تفتقر إلى
الأجهزة الدائمة التي تميز المنظمات الدولية ولبيان الفرق
بين الغات في صورتها الأصلية وبين المنظمات الدولية يكفي أن
نلقي نظرة على البنك الدولي مثلاً وهو نموذج يستوفي مقومات
المنظمة الدولية نجد أن البنك الدولي يستند إلى ميثاق يحدد
أهدافه ويحدد طريقه اتخاذ القرار فيه وتوزيع السلطات اللازمة
لاتخاذ القرار بين مجلس المحافظين والمجلس التنفيذي
والموظفين الاداريين أما في حالة الغات فإننا نجد الميثاق
وهو يتمثل في الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة
ولكن لا نجد الهيكل التشريعي أو التنفيذي الموجود في البنك
الدولي. غاية ما هنالك أن هناك بعض اللجان الحكومية المعاونة
التي يناط بها أداء مهمات معينة وتنتهي حياتها بانتهاء
مهمتها وكانت هذه نقطة ضعف كبرى في البناء الهيكلي للغات.
وقد عملت دورة أورغواي على تدارك هذا العيب بإنشاء منظمة
التجارة العالمية لكي تحل محل الغات ونجد في المنظمة الجديدة
تلك الأجهزة التي كانت غائبة في تنظيم الغات وعلى رأس تلك
الأجهزة المؤتمر الوزاري الذي ينعقد مرة كل سنتين على الأقل
والمجلس العام الذي يجتمع بصفة دورية للإشراف على تنفيذ
الاتفاقيات والقرارات الإدارية.
السبب الثالث: هو أن دورة أورغواي قد تضمنت عدداً من القضايا
الجديدة الأصلية فإن الاتفاقية المنشئة واضحة كل الوضوح من
حيث أنها تطبق على التدفقات السلعية الدولية دون غيرها ومن
ثم لم يكن ممكناً إدخال موضوع الخدمات في هذا الإطار. كذلك
فإن القضايا الجديدة تتجاوز تحرير التجارة الدولية وتتعرض
لأحكام الاتفاقية الأصلية لذلك لم يكن ثمة مفر من إنشاء
منظمة جديدة يمكن أن تعالج موضوع الخدمات كما تعالج موضوع
السلع ويمكن أن تتعرض لأحكام القوانين واللوائح الداخلية كما
تتعرض للقيود التعريفية وغير التعريفية ومن هنا كان العمل
على تحويل الغات إلى منظمة التجارة العالمية([27]).
أما بالنسبة للهدف من إنشاء منظمة التجارة العالمية فقد
تضمنت نتائج جولة أورغواي المهام التالية:
1- مراقبة السياسات التجارية للدول الأعضاء وفق الآلية
المتفق عليها في هذا الصدد بما يضمن اتفاق هذه السياسات مع
القواعد والضوابط والالتزامات المتفق عليها في إطار المنظمة.
2- الإشراف على تنفيذ الاتفاقات المنظمة للعلاقات التجارية
بين الدول الأعضاء.
3- الفصل في المنازعات التي قد تنشأ بين الدول الأعضاء حول
تنفيذ الاتفاقات التجارية الدولية ويتولى هذه المهمة المجلس
العام بالمنظمة.
4- التعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والوكالات
الملحقة به في تحديد السياسات الاقتصادية على الصعيد الدولي
وتحديد برامج الإصلاح الاقتصادي في الدول النامية هذا فضلاً
عن بعض الموضوعات الجديدة التي دخلت ضمن المعايير التي
تتبعها بعض الدول المانحة في تقديم المساعدات الاقتصادية
ومنها احترام حقوق الإنسان والحفاظ على البيئة.
المبحث الثاني
هيكل منظمة التجارة العالمية([28])
يتكون هيكل منظمة التجارة العالمية في مجلس وزاري ينعقد مرة
كل سنتين على الأقل ومجلس عام يتكون من ممثلي جميع الدول
الأعضاء يجتمع بصفة دورية مرة كل شهر ويشرف المجلس العام على
إدارة جهاز تسوية المنازعات وآلية مراجعة السياسات التجارية
التي تتم بصورة دورية كذلك يشرف المجلس العام على الهيئات
الفرعية مثل مجلس تجارة السلع ومجلس حقوق الملكية الفكرية
ومجلس الخدمات بالإضافة إلى بعض اللجان المتخصصة في القضايا
المختلفة منها لجان قيود ميزان المدفوعات التي تتولى إجراء
مشاورات مع الدول التي تفرض قيوداً أو رسوماً إضافية على
وارداتها في حالة وجود اختلالات في ميزان مدفوعاتها ولجنة
التجارة والتنمية وتتولى متابعة ما جاء في الاتفاقية بشأن
المعاملة الخاصة للدولة النامية كذلك لجنة الميزانية والشؤون
المالية والإدارية.
وهنالك العديد من المشكلات التي ما زالت عالقة في انتظار
المنظمة لخصها "سيرجيو أبروبونيلا" رئيس المجلس الوزاري في
العلاقة ين سياسات الدول والتجارة الدولية - الممارسة
المقيدة لقطاع الأعمال والتفاعل بين السياسات التجارية
والقضايا المالية والنقدية بما في ذلك الديون وأسواق السلع
الأولية وتوفير آلية لتعويض الدول التي تخسر من وضع المعاملة
التجارية التفضيلية نتيجة للجولة. وكذلك الرغبة في إجراءات
أكثر صرامة ضد تحديد الإجراءات التجارية وراء الحدود
الوطنية. بالإضافة للربط بين التجارة والاستثمار والإقليمية.
وعلى الرغم من أن هذا النظام الجديد لم تكتمل ملامحه
النهائية بعد فإن اتفاقات الغات الأخيرة جاءت لتكون أحد أسس
ذلك النظام بالنص على تحويل الاتفاقية العامة للتعريفات
الجمركية والتجارة والمعروفة باسم الغات إلى منظمة التجارة
العالمية تدير شؤون النظام التجاري العالمي الجديد.
وستعمل المنظمة الجديدة (W.T.O) مع كل من البنك الدولي
للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي لاقرار وتنفيذ معالم
النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي يتميز بوجود السوق
العالمية وليس انقسامها ويخضع لإدارة وإشراف مؤسسات دولية
يعمل بصورة متناسقة وليس متصارعة إضافة إلى وضع نظام يتسم
بالقوة والنفوذ ويأخذ شكلاً أقرب ما يكون إلى الهرم المتدرج
تقف على قمته ثلاث قوى اقتصادية كبرى هي أمريكا والاتحاد
الأوروبي واليابان وتقبع في قاعدته الدول النامية الفقيرة
ولذا يمكن القول إن منظمة التجارة العالمية يمثل الضلع
الثالث لمثلث قيادة الاقتصاد العالمي بجوار صندوق النقد
الدولي بالبنك الدولي للإنشاء والتعمير.
الفصل الرابع
الآثار العامة لاتفاقية الغات
المبحث الأول
أثار اتفاقية الغات على النظام العالمي بصفة عامة
تتزايد مخاوف الدول النامية بصفة عامة والدول العربية بصفة
خاصة فعواقب التجارة الدولية متعددة الأطراف في نهاية جولة
أورغواي وما أسفرت عنه من اتفاقات تمثل دون شك قفزة نوعية في
سياق تلك العملية التي بدأت في إطار الاتفاقية العامة
للتعريفات الجمركية والتجارة (الغات) ومبعث هذه المخاوف هو
الفجوة الواسعة بين مستويات الإنتاج ومن ثم القدرات
التنافسية في صالح الشمال وليست في صالح الجنوب باستثناء
الدول الصناعية الجديدة لأن الفجوة تنذر بالاتساع نظراً
للعوائق الداخلية والخارجية التي تواجه عملية التنمية
والتصنيع ومحاولة رفع الإنتاجية والتنافسية فإن هذه المخاوف
تبدو مبررة.
ومما لا شك فيه أن اتفاقية الغات تحقق العديد من الآثار على
المستوى العالمي ويمكن إيجاز أهمها فيما يلي:
- سوف يؤدي تحرير التجارة الخارجية إلى إلغاء أشكال الدعم
والقيود غير الجمركية ونظام الحصص ومن ثم إلغاء التشوهات في
التجارة العالمية.
- من المتوقع تحقيق معدل نمو اقتصادي عالمي بنسبة 5 و 3%
يرتفع إلى 8% عام 2005م.
- زيادة معدل النمو في التجارة العالمية بنسب تتراوح بين 5 -
12% بما يعني زيادة حجم التجارة العالمية بنحو 745 مليون
دولار([29]).
- زيادة تحفيز دول العالم على تبني برامج للإصلاح الاقتصادي
والتحول إلى اقتصاديات السوق الحرة.
- الدعوة إلى الاستخدام الأمثل لموارد الإنتاج لدى كل دولة
مع إبراز المزايا النسبية لكل منها ومن شأن ذلك أن يؤدي في
الأجل الطويل إلى زيادة مستويات الرفاهية على المستوى
المحلي.
- استفادة المستهلكين من انخفاض الأسعار في الدول التي كانت
تقيم حواجز جمركية وتدعم المنتجين فيها لجعلهم قادرين على
المنافسة في الأسواق المحلية رغم ارتفاع أسعار منتجاتهم
مقارنة بأسعار المنتجات المناظرة في الأسواق الدولية.
- استفادة المنتجين من زيادة الطلب الخارجي على إنتاج
البلدان التي كانت إنتاجها يواجه عوائق كمية وجمركية من التي
تم إلغاءها أو تخفيضها في إطار اتفاق الغات.
- تزايد الاعتماد المتبادل بما له من مزايا وعيوب ومن مزاياه
الاندماج على الصعيد العالمي بما يؤدي إلى خلق مصالح متشابكة
يمكنها تخفيف حدة الصراعات الدولية أما أبرز عيوبه فهي أنه
عند اختلال الاعتماد المتبادل فإن الدول الداخلة في تشابك
قوى تنقسم إلى دول تابعة ودول مهيمنة.
- زيادة معدلات التضخم وزيادة تكلفة الواردات في البلدان
التي تستورد سلعاً سوف يرتفع أسعارها في الأسواق الدولية بعد
تخفيض الدعم الذي كان يقدم لمنتجيها ومصدريها.
- ارتفاع معدلات البطالة في الدول التي كان المنتجون
الصناعيين والزراعيين فيها يعتمدون على الدعم الحكومي أو على
الحواجز الجمركية العالمية للحفاظ على قدرتهم التنافسية بشكل
مصطنع([30]).
- استكمال حلقات السيطرة على جوانب النظام الاقتصادي العالمي
من قبل الأمم المتحدة بإنشاء منظمة العالمية للتجارة بجانب
كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
المبحث الثاني
آثار اتفاقية الغات على اقتصاديات الدول العربية
ما زالت الدول العربية تدخل في تعداد الدول النامية وقد ميزت
اتفاقيات جولة اورغواي الدول النامية في المعاملة في
المجالات المختلفة ونظراً لأن الدول العربية تعتبر جميعاً من
الدول النامية فسوف تحصل ابتداء على هذه المعاملة
التفضيلية([31]).
إلا أن آثار اتفاقية الغات على اقتصاديات الدول العربية سوف
تختلف من دولة إلى أخرى([32]) تبعاً للمعايير التالية:
- المعيار الأول: مدى التقدم الذي تم تحقيقه في تطبيق قواعد
الاقتصاد الحر القائم على تفاعل قوى السوق فالدول التي قطعت
شوطاً كبيراً في مجال تحرير اقتصادها ستكون مهيأة للتكيف مع
قواعد اتفاقية الغات ويمكنها تحقيق العديد من المكاسب وذلك
على عكس الدول الأخرى التي ما زالت تطبق قواعد الاقتصاد
المخطط وسوف تعاني من كثرة السلبيات ولن تستطيع تحقيق
استفادة كاملة إلا في الأجل الطويل بعد تعديل نظامها
الاقتصادي.
- المعيار الثاني: هيكل الاقتصاد القومي ومدى اعتماده على
تصدير السلع الأساسية لمواد الخام.
ولا شك أن تأثير الاتفاقية سوف يختلف من دولة إلى أخرى وفقاً
لدرجة تمتعها بوجود بنية أساسية قوية وقاعدة صناعية متطورة
وإمكانات تصديرية واسعة من السلع المصنعة وشبه المصنعة
فالدول التي تتمتع بهذه البنية الأساسية سوف تتمكن من تحقيق
العديد من المكاسب.
- المعيار الثالث: نسبة الصادرات إلى الناتج القومي الإجمالي
وحالة الميزان التجاري فإن تأثير جولة أورغواي على الدول
المستوردة الصافية للمواد الغذائية والتي تعاني من عجز كبير
في الميزان التجاري يختلف عن تأثيرها على مجموعة أخرى من
الدول النامية التي تتميع بطاقة تصديرية كبيرة ولديها قوانين
مرنة لجذب الاستثمارات الأجنبية ولها خبراتها في التعامل مع
الأسواق الدولية وقطعت شوطاً في تطبيق استراتيجية لتحقيق
التنمية عن طريق زيادة الصادرات.
- المعيار الرابع: مدى انضمام الدول إلى تكتل اقتصادي حيث
تتمتع التكتلات الاقتصادية الإقليمية بمزايا عديدة في إطار
اتفاقية الغات التي لا تمنع قيام التكتلات مثل السوق
الأوروبية المشتركة، والسوق العربية المشتركة والسوق
الإفريقية بل على العكس فإن هذه التكتلات تتمتع بمزايا لا
تتمتع بها الدول الأعضاء منفردة([33]).
أضف إلى ذلك أن التكتل يتيح اقتصادياً ما يلي:
1- تشكيل جماعات ضغط للحصول على أفضل شروط تبادلية وتنافسية
في التعامل مع الدول الأعضاء بالاتفاقية.
2- التعاون الإقليمي الداخلي بما يحقق خفض الاستيراد إلى
أدنى حد ممكن مع تعظيم الصادرات وفقاً للمزايا التنافسية
التي تتمتع بها كل دولة عربية.
3- تعظيم مجالات الاستثمار الداخلي لبناء قاعدة صناعية عربية
كبيرة تتيح جذب الاستثمارات العربية الخارجية إلى الداخل
ويساعد ذلك في إقامة سوق مال عربية ومشروعات مشتركة عربية
موحدة.
4- الحصول على استثناءات من المبادئ الخاصة بالغات وعلى سبيل
المثال إعفاء الدول وشرط الدولة الأولى بالرعاية إذا كانت
الترتيبات الإقليمية لتحرير التجارة الخارجية تتم بين مجموعة
من الدول المنتجة جغرافياً إلى تكتل اقتصادي معين.
لقد ذكرنا أن تأثير الاتفاقية سوف يختلف من دولة إلى دولة
أخرى وفقاً لمعايير مختلفة وكذلك سوق يختلف التأثير من سلعة
إلى سلعة أخرى.
وسوف نتعرض لأهم هذه المجالات - السلع الزراعية - سلع
المنسوجات والملابس - السلع الصناعية - تجارة الخدمات -
المشتريات الحكومية - حقوق الملكية الفكرية.
أولاً: السلع الزراعية
تستورد الدول العربية معظم احتياجاتها الغذائية من الخارج
ولا يعني ذلك أن كل الدول العربية أخفقت في الحد من اعتمادها
على الخارج للحصول على احتياجاتها الغذائية فقد نجح عدد من
الدول في زيادة الإنتاج المحلي والحد من الاستيراد الخارجي -
ولا شك أن إلغاء سياسة دعم المنتجات الزراعية المتبعة في
الدول المتقدمة المصدرة للمنتجات الزراعية (والتي تشمل دعم
المزارعين + دعم الصادرات) سوف تؤدي إلى ارتفاع أسعار هذه
المنتجات وبالتالي زيادة المبالغ المخصصة لاستيراد المنتجات
الزراعية وما لذلك من تأثير سلبي على الميزان التجاري.
إلا أنه لا يجب توقع حدوث زيادة كبيرة في أسعار هذه المنتجات
في المستقبل القريب ويرجع ذلك للأسباب التالية:
1- إن الدول المتقدمة المنتجة للمواد الغذائية التي يقصد بها
أساساً (القمح - الذرة - اللحوم - منتجات الألبان) تتبع
سياسة (تقييد العرض) عن طريق تخزين نسبة كبيرة من المنتج.
فقد تمكنت هذه الدول عن طريق الهندسة الوراثية من زيادة
كبيرة في إنتاجهم من الحبوب واللحوم ومنتجات الألبان خلال
العقدين الماضيين ومن غير المتوقع أن يؤدي إلغاء الدعم الذي
تخصصه الدول المتقدمة إلى ارتفاع كبير في أسعار هذه المنتجات
في ظل تزايد إنتاجها ووجود عرض متزايد منها.
2 ـ إن ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية بشكل كبير وخاصة
الحبوب قد يدفع مجموعة من الدول الأخرى غير المنتجة حالياً
والتي لديها إمكانيات زراعية إلى زيادة رقعة الأرض المخصصة
لإنتاج هذه الحبوب الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاج
المحلي. ومن ثم زيادة نسبة الاعتماد على النفس في استهلاك
الحبوب بالنسبة للدول العربية المستوردة للغذاء في المنطقة
المدارية مما يحقق نتائج إيجابية في المدى الطويل والمتوسط.
3 ـ رغم الاتفاق على إلغاء سياسة الدعم في الدول المتقدمة
المصدرة للمنتجات الزراعية إلا أن تنفيذ نتائج جولة أورغواي
وفقاُ للبرنامج الزمني المحدد يتطلب من هذه الدول إدخال
تعديلات هيكلية كثيرة على نشاطها الاقتصادي له تكاليفه
الاجتماعية الباهظة.
أما الدول العربية التي توجد فيها ظاهرة (الدعم الإيجابي) من
جانب الحكومة للمزارعين خصوصاً في دول الخليج النفطية التي
تملك فيها الدولة موارد مالية كبيرة ناتجة عن تصدير النفط
وتسعى في الوقت نفسه إلى تنويع مصادر الإنتاج من خلال تشجيع
الزراعة والقطاعات الإنتاجية الأخرى فإن اتفاقية جولة
أورغواي في مجال تحرير أسواق السلع الزراعية ستصطدم مباشرة
بسياسة الدعم الحكومي للمزارعين سواء في قطاع زراعة الحبوب
أو قطاعات زراعة السلع الزراعية الأخرى([34]).
ولذا يتطلب من الدول العربية العمل على تنمية القطاع الزراعي
وهي تمتلك المقومات اللازمة لذلك وزيادة التجارة البينية من
خلال إنشاء تكتل عربي.
ثانياً : سلع المنسوجات والملابس
جاءت جولة أورغواي مرتبة بعض الآثار لتجارة المنسوجات
والملابس حيث تم الاتفاق من حيث المبدأ خلال المفاوضات على
إلغاء الترتيبات الدولية لتجارة المنسوجات والملابس وإدخال
المواد والسلع التي تنظمها ضمن هيكل المواد والسلع التي تنظم
تجارتها القواعد والترتيبات العامة المعمول بها طبقاً
للاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة.
وهذا يعني إلغاء الاستثناء الذي كان يعطي الدول المستوردة
الحق في إغلاق أسواقها وفرض قيود كمية على الصادرات من الدول
المنتجة.
وسيكون لفتح باب المنافسة الكاملة من سوق المنسوجات والملابس
تأثيراً كبيراً على الدول العربية التي يعتمد عدد منها إلى
حدٍ كبير على هذه السلع في الحصول على نصيب كبير من الصادرات
في أسواق الدول الصناعية مثل المغرب – تونس – مصر.
ولن يقتصر هذا التأثير عند حدود الضغط على أسعار التصدير
وإنما سيمتد إلى إعادة بناء هيكل الصناعات المحلية في هذا
القطاع بما له في انعكاسات اقتصادية واجتماعية وسياسية.
(بلغت قيم إجمالي صادرات مصر من المنسوجات والملابس في عام
1994 نحو 1.4 مليون دولار وتونس 1.2 مليون دولار والمغرب 855
مليون دولار من نفس العام)([35]).
وفي حالة تحرير تجارة المنسوجات والملابس فإن مصدري هذه
السلع من الدول العربية إلى دول الاتحاد الأوربي سيكونون في
خطر من تزايد المنافسة من المنتجين أصحاب التكاليف الأقل مثل
تايوان، تركيا، دول شرق آسيا. وربما ينتج عن ذلك تضيق نطاق
السوق الخارجي المتاح أمام الصادرات العربية من المنسوجات
والملابس بل ستشهد أسواق الدول العربية فيضاً من المنتجات
الآسيوية الرخيصة.
وعلى الرغم من أن إجراءات الحماية التجارية ساعدت على زيادة
الاستثمارات في صناعات المنسوجات والملابس في الدول العربية
بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة فإن هذه الإجراءات أدت من
ناحية أخرى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض إنتاجية رأس
المال وتخلف المواصفات القياسية للإنتاج.
يتضح مما سبق أن قطاع صناعة المنسوجات والملابس سيتعرض إلى
تغييرات هيكلية عميقة على أساس تقسيم دولي جديد للعمل في هذه
الصناعة يعود مرة أخرى إلى الارتكاز على المزايا النسبية
التي تتمتع بها كل دولة وستكون تكاليف العمل ومستلزمات
الإنتاج المحلية. هما العنصران الحاكمان في إعادة توزيع هيكل
صناعة الملابس والمنسوجات على المستوى العالمي وسوف تستطيع
الدول القادرة على تخفيض تكاليف العمل وإنتاج مستلزمات وسيطة
بأسعار رخيصة من خلال المنافسة وليس من خلال الدعم الحكومي
أن تحظى بنصيب أكبر من سوق المنسوجات والملابس على المستوى
العالمي أو الدول التي ستفشل في ذلك فإنها لن تخسر فقط
أسواقها بل ستكون مهددة بفقدان أسواقها المحلية لصالح منتجين
قادرين على توفير المنسوجات والملابس بأسعار أقل وجودة
أفضل([36]).
ثالثاً : السلع الصناعية
مما لا شك فيه أن إلغاء الحواجز والقيود الجمركية فتح
الأسواق للسلع الصناعية الكهربائية والإلكترونية، سيؤدي إلى
حرمان الدول التي لا توجد فيها هذه الصناعات من فرصة إقامتها
إلى احتمال تدمير هذه الصناعات الناشئة حديثاً في عدد من
الدول نتيجة المنافسة الخارجية الحادة وعلى الرغم من هذا لا
يعني التحليل النهائي أن العالم سينقسم إلى معسكرين فقط
"معسكر المنتجين" و "معسكر المستهلكين" بل يوضح لنا أن صعود
دولة إلى احتلال مكان ما في معسكر المنتجين لن يكون بالمهمة
السهلة على الإطلاق([37]).
أما عن وضع الدول العربية في مجال التصنيع فقد عمدت هذه
الدول إلى تبني استراتيجية للتصنيع من خلال استقدام رأس
المال الأجنبي عن طريق سياسات الانفتاح في السبعينات فكانت
أحد مغريات هذه السياسة على المستوى الدولي خصوصاً بالنسبة
للدول الصناعية والشركات متعددة الجنسية هي النفاذ إلى أسواق
كانت مغلقة من قبل إلى جانب ذلك فقد كان الاستثمار الأجنبي
في دول العالم الثالث وسيلة للهروب من القيود الكمية
المفروضة على الصادرات في الدول الصناعية بالنسبة لعدد من
السلع مثل السيارات والإلكترونيات والمنسوجات والملابس
وغيرها.
رابعاً : تجارة الخدمات
لعل أحد أهم إضافات جولة أورغواي في محاولة تنظيم التجارة
العالمية في الخدمات في كل الخطوط العامة لاتفاقية الغات.
ومن المعروف أن التجارة العالمية للخدمات في زيادة مطردة
وبنسب نمو تفوق التجارة في السلع وتمثل تجارة الخدمات أهمية
كبيرة بالنسبة للدول النامية وبالذات مع تزايد أهمية السياحة
والنقل والمقاولات.
وفي الحقيقة أن هناك كثيراً من الخلط حول خضوع تجارة الخدمات
لقواعد الغات كذلك مخاوف غير عقلانية بخصوص السماح لشركات
الدول المتقدمة بالعمل في مجال الخدمات في الدول النامية.
فالسماح للبنوك او شركات التأميم او شركات النقل الأجنبية
بممارستها نشاطاتها في أسواق الدول الأخرى لا يعني بالضرورة
غزو الأجانب لهذه الأسواق ذلك أن شركات النقل الوطنية في
مجال الخدمات تتمتع عادة بميزة نسبية كبيرة سواء من حيث
معرفة السوق او احتياجات المستهلكين وكذلك بقدرتها على تشغيل
عمالة رخيصة وفي معظم الأحيان تؤدي منافسة الأجنبي إلى تحسين
كبير في مستوى الخدمة دون تعرض المنتج الوطني للضياع وهذا
الرأي طبقاً للتقرير الاستراتيجي العربي 1994.
ومن الممكن في ظل سياسة واعية أن تتمكن البنوك وشركات
المقاولات والنقل العربية من أن تجد لنفسها منفذاً في هذه
الأسواق المتقدمة وعلى المستوى الإقليمي فإن هناك فرصاً
إضافية لنمو الصادرات الخدمية مستفيدة حتماً من قواعد الغات
الجديدة أو من قواعد التعاون العربي والإقليمي المنتظرة ومن
أهم آثار جولة الأورغواي في تجارة الخدمات هو تضمنها موضوع
انتقال العمالة بين الدول الأعضاء في الغات. ويهم هذا
الموضوع بصفة خاصة دول الجنوب النامي وبالذات في ظل ما
تجابهه العمالة المهاجرة إلى أوربا وأمريكا من قيود وعسف.
خامساً : المشتريات الحكومية
نجد عدم وجود جديد في هذا المجال على صعيد المشروعات ذات
التمويل الخارجي وإنما سيكون على صعيد المشروعات التي يتم
تنفيذها كلياً بشكل عام سواء ذات التمويل الخارجي أو المحلي
أو المشترك.
وتعتبر عقود المشتريات الحكومية من أهم العقود التجارية في
العالم بصفة عامة وفي العالم الثالث على وجه الخصوص حيث تكون
الحكومة هي أكبر ممول في السوق المحلية.
وبعد سريان اتفاقية جولة أورغواي التجارية سوف تكون المنافسة
على قدم المساواة بين المقاولين المحليين والمقاولين الأجانب
لتنفيذ المشروعات الحكومية أو توريد احتياجات الحكومات من
السلع والمواد المختلفة ويعد هذا من أبرز التحولات في بنية
هيكل التجارة العالمية([38]).
ومن المتوقع خلال الأجل القصير لتطبيق الاتفاقية أن يتعرض
قطاع المقاولات العربي لخسائر في السوق المحلية ولكنه يستطيع
الحصول على مكاسب في الأجل المتوسط والطويل في كل من السوقين
المحلية والخارجية إذا تمكن من تطوير قدراته وإمكانياته
المالية والتكنولوجية والإدارية والتجارية.
ولا شك أن قطاع المقاولات في الدول العربية يستطيع في ظل
ظروف تحرير قطاع المشتريات الحكومية أن يستفيد بصورة كبيرة
من تدفق المساعدات العربية إلى الخارج بالمشاركة في تنفيذ
المشروعات التي يتم تمويلها كلياً او جزئياً بواسطة صناديق
التنمية العربية وبنك التنمية الأفريقي وغيرها وهو ما يمكن
أن يزيل في الأجل القصير احتمالات الخسائر الناجمة عن مزاحمة
مقاولين من بلدان مثل كوريا وباكستان وتركيا والبرازيل في
الأسواق العربية([39]).
سادساً : حقوق الملكية الفكرية
تتمثل حقوق الملكية الفكرية في عوائد الإبداع الفكري والعلمي
والأدبي والفني في مجالات تأليف المطبوعات والأغاني
والموسيقى والاختراع والابتكار والعلامات التجارية وغيرها.
وعلى الرغم من أن الدول العربية زاخرة بالعديد من الملكيات
الفردية إلا أنه لا توجد دولة عربية واحدة وقعت حتى الآن على
الاتفاقات الدولية لحقوق الملكية الفكرية التي كانت حتى
اتفاقيات جولة الأروغواي تقف خارج حيز اتفاقات تحرير التجارة
الدولية ومع توسيع نطاق قواعد تحرير التجارة الدولية لتشمل
حقوق الملكية الفكرية فإن العالم سيشهد تنظيماً محدداً لسوق
جديدة هي سوق بيع وشراء حقوق الملكية الفكرية وستسجل موازين
مدفوعات الدول بنداً جديداً يتمثل في تحويلات عوائد حقوق
الملكية وستنشأ مؤسسات وهيئات جديدة مهمتها متابعة وضمان
التنفيذ السليم للمبادلات في سوق الملكية الفكرية.
ولا شك أن الدول العربية في حاجة إلى سوق للملكية الفكرية
وخاصة في مجال صناعة الطباعة التي تطغى عليها ممارسات سرقة
المؤلفات المطبوعة من بلد إلى آخر وتشويه مهنة الترجمة بسبب
هذه الممارسات نفسها على المؤلفات المنقولة من لغات أخرى إلى
اللغة العربية كذلك سوف تحقق الدول العربية استفادة كبرى من
خلال رفع حقوق أصحاب الابتكارات وخلق تكنولوجيا متطورة
ملائمة للتطبيقات في البيئة المحلية، وعلى صعيد آخر سوف
تتمكن الدول العربية من حماية العلاقات التجارية في الغش
ومقاومة الغش الصناعي وحماية المستهلك([40]).
ولا أحد ينكر أن بداية تكوين سوق الحقوق الملكية الفكرية على
المستوى العالمي سيؤدي إلى زيادة التدفقات من عوائد حقوق
الملكية إلى الدول الصناعية من الدول النامية بما فيها الدول
العربية ولكن تطور هذه السوق سيؤدي في المدى المتوسط والطويل
إلى خلق سوق محلية وعربية في ميدان حقوق الملكية الفكرية
ترسي أسساً صحيحة لتطوير وتوظيف ابتكارات وإبداعات العقل
العربي في المجالات المختلفة.
ومن الآثار الإيجابية التي يمكن أن تجنيها الدول العربية في
حالة انضمامها إلى الغات أن إجراءات وقواعد حماية حقوق
الملكية الفكرية ستؤدي عملياً إلى تطوير التنظيم الاجتماعي
لجمعيات الناشرين وجمعيات حقوق المؤلفين والملمين وروابط
المنتجين إلى مهنة الترجمة والتنظيمات الحكومية العاملة في
مجالات تسجيل حقوق براءات الابتكار والاختراع والعاملة في
مجالات مكافحة الغش في العلامات والمواصفات القياسية.
يتضح لنا أنه على الرغم من المزايا الواضحة لأي إجراء يؤدي
إلى إزالة القيود التجارية في العالم وتشجيع على المزيد من
تقسيم العمل العالمي إلا أن جولة أورغواي كانت حلبة لصراعات
المصالح لدول الشمال والجنوب ولم تقتصر المخاوف والمنازعات
على ممثلي الدول النامية بل إن الدول المتقدمة كانت الأكثر
صياحاً وضجيجاً.
مما تقدم نجد أن الدول العربية سوف تتعرض إلى خسائر صافية
سواء انضمت إلى الغات أم لم تنضم إلا أن انضمامها سوف يؤدي
إلى تدني الخسائر المتوقعة وتعظيم المكاسب المحتملة فالدول
التي تنضم إليها سوف تستفيد من المزايا الواردة بها أما
الدول التي لم تنضم لها فلن تتمتع بتلك المزايا التي يمكن
إيجازها في أن المنظمة العالمية للتجارة التي نشأت عام 1995
سوف تتحكم وتدير وترأس أكثر من 92% من إجمالي التجارة
العالمية الأمر الذي يعني أن الانضمام للمنظمة أساسي ولا
خيار في عدم الانضمام فالنظام الاقتصادي الجديد لا يسمح
بالانغلاق حتى أن دول المعسكر الشيوعي سارعت إلى طلب
الانضمام عقب الانهيار المعروف ومن ثم فالانغلاق يعني خسائر
تجارية ضخمة من فقد التعامل مع 92% من حجم التجارة العالمية
وخاصةً أن 80% منها يخص الدول الصناعية المتقدمة. أضف إلى
ذلك أن الانضمام للاتفاقية يعطي للدولة العضو الحق في الحصول
على معاملة الدولة الأكثر رعاية فيما يتعلق بصادراتها للدول
الأخرى الأعضاء والاستفادة من التخفيضات الجمركية المتبادلة
بين الدول الأعضاء إضافة إلى حل المنازعات التجارية في إطار
اتفاقية الغات وعدم الحاجة إلى عقد اتفاقيات ثنائية بين
الدول باعتبار أن الغات هي الإطار العام.
ولقد قام الحقوقيون والاقتصاديون بطرح عدة توصيات ومقترحات
بهدف تمكين الدول العربية من مواجهة تحديات الغات وتحقيق
أقصى فائدة ممكنة لها من خلال انضمامها لاتفاقية الغات
ولمنظمة التجارة العالمية وتتمثل هذه التوصيات بـ:([41])
أولاً: أن تسرع الدول العربية نحو بناء إطار اقتصادي عربي
مشترك على غرار السوق الأوربية وباقي التكتلات الاقتصادية
الإقليمية.
ثانياً: أن تستثمر الدول العربية فترة السماح التي نصت عليها
اتفاقية الغات ومدتها عشر سنوات لتطوير إنتاجها وإعادة
اكتشاف المزايا النسبية الاقتصادية والتجارية التي تتمتع بها
في إطار الاقتصاد العالمي وأن تعمل على تكثيف استغلال هذه
المزايا الأمر الذي يؤدي إلى توافق سياسات الدول العربية مع
سياسات منظمة التجارة العالمية وبالتالي تحقق أكبر استفادة
ممكنة.
ثالثاً: تنمية معدلات التجارة البينية العربية في الأجل
القصير حتى يتم استكمال بناء التكامل الاقتصادي.
رابعاً: في مجال الزراعة يجب أن تعمل الدول العربية على
تعزيز وتطوير التعاون الإقليمي في مجال التخفيضات والإعفاءات
الجمركية على تجارة السلع الزراعية فيما بينها لزيادة
المزايا التنافسية للسلع الزراعية العربية على مثيلاتها
الأجنبية والسعي نحو تطوير التكامل الإنتاجي والسلعي بما
يؤدي في النهاية إلى تقليل الاعتماد على الواردات الأجنبية
بقدر الإمكان.
خامساً: في مجال الخدمات فإذا كانت اتفاقية الغات قد تضمنت
الخدمات كأساس للتجارة العالمية فالمعلمون والأطباء
والتجاريون والحرفيون يعتبرون من ضمن مقومات التجارة
العالمية ومن هنا فالدول كثيفة السكان عليها تنمية البشر
بخطط سريعة بحيث تحول العبء البشري لقوة اقتصادية في تجارة
الخدمات.
سادساً: الاهتمام برفع جودة المنتجات العربية وتعميم تطبيق
نظام الجودة الشاملة إيزو 9000 – iso كما يجب تطبيق هذا
النظام في قطاع الخدمات.
سابعاً: الاهتمام بتوجيه استثمارات جديدة وخاصة في نظم
المعلوماتية في الإدارة والتصميم والإنتاج ومتابعة دقيقة
للتطورات العالمية في هذا المجال.
ثامناً: وضع أطر تعاون وتنسيق بين مراكز ومؤسسات البحث
والتطوير والتدريب العربية وربطها بالصناعة وكذلك التنسيق
والتعاون بين المؤسسات الاستشارية الهندسية والمقاولات
العربية. ودعم المنظمات والاتحادات العربية التي تعنى بشئون
التكامل الصناعي.
تاسعاً: تعزيز دور المؤسسات العاملة في مجال تحويل التجارة
البينية وضرورة تطوير أسواق المال العربية وتخطو نحو إنشاء
سوق مالية عربية موحدة. ودعم الصندوق العربي للإنماء
الاقتصادي والاجتماعي.
عاشراً: ضرورة إنشاء جمعيات حماية المستهلك على صعيد الأسواق
العربية للمساعدة في مراقبة المعروض فيها من الواردات غير
المستوفاة لشروط الصحة العامة أو الآداب العامة أو المتسببة
في تلوث البيئة.
حادي عشر: ضرورة تعديل قوانين النشاط الاقتصادي لمواكبة
المتغيرات الدولية والمحلية وأهمها قواعد اتفاقية الغات على
أن يكون الهدف من هذا التعديل هو المواءمة في إطلاق الحرية
الفردية في ممارسة النشاط الاقتصادي والحفاظ على حقوق الغير
والملكية الفردية ووضع الضوابط القانونية لحماية المنافسة
وتحرير عمليات التجارة واستثمار رؤوس الأموال.
وفي الواقع يتوقف تأثير اتفاقية الغات على الدول العربية على
حسب قدرة كل دولة في التكيف مع أحكامها وقواعدها وما تفرضه
الاتفاقية من تحديات.
وسوف يتوقف هذا على قدرة الدول العربية على إنشاء تكتل
اقتصادي عربي وإعادة تقييم سياستها الاقتصادية وطبيعة
القوانين التي تحكم النشاط الاقتصادي بجميع جوانبه سواء في
مجال الإنتاج الزراعي أو الصناعي أو قطاع الخدمات مع مراجعة
قوانين وضوابط الاستثمار ولا شك في أن وضع هذه التوصيات موضع
التنفيذ سوف يحقق الاستفادة القصوى للدول العربية في ظل نصوص
اتفاقية الغات والتكتلات الاقتصادية الدولية.
لقد أصبحت اتفاقية الغات في ثوبها الجديد تشكل تحدياً يواجه
جميع الدول العربية باعتبارها من الدول النامية التي يحتم
عليها أن تستعد للتعامل معها وتحقيق أقصى استفادة ممكنة
لصالحها.
واللـه ولـي التوفـيق
المحامي
ســــــــــــميح الزعــــــيم
دمشق في 25/7/2000
|
يسرني
أن أرحب بالسادة الزوار على موقعنا الإلكتروني هذا، وحقاً
فالفائدة من التواجد على الشبكة العالمية لا غنى عنها لتحقيق
تواصل أسرع وخدمات أكثر تميز لموكلينا الكرام.، كما وفرنا
لكم إمكانية إرسال استشاراتكم والتي سوف تلقى اهتمامنا
البالغ وعنايتنا حيث سيتم دراستها وموافاتكم بالرد عليها
بالسرعة الممكنة عن طريق البريد الإلكتروني، وفي جميع
الأحوال لا تغني المعلومات المتوفرة بين أيديكم هنا عن
الاتصال الحي ، فزيارتكم المرجوة لمكتبنا تمنحنا شرف التعرف
بكم عن قرب وعلى سبل التعاون وتدارس ما يمكن تحقيقه لكم
|